تثقيف الثائر... وتثوير المثقف
ليس خافيا على أحد أن ثورة الكرامة السورية كانت ثورة شعب طالب
بالحرية والكرامة، ضد نظام ديكتاتوري مستبد فاسد مارس كل مضامين الاحتلال وبالسقف
الأعلى. ولم تكن ثورة نخب ولا أحزاب، مع أن هؤلاء التحقوا بالثورة لاحقاً، بعد أن أيقنوا
أن ثورة الشعب السوري ليست ريحا هبوبية سرعان ما تتخامد، بل تميزت بالإصرار التصاعدي والجدية الصارمة.
عند الحديث عن النخب لا بد من التفريق بين مفهوم النخبوية ومفهوم
الأكاديمية، فالنخبة المثقفة هي (كل مهتم بالشأن العام وكل من يتجاوز بتفكيره حدود
شخصيته)، بحيث يبدو متابعاً للأحداث راصداً للتحولات مشاركاً فيها بشكل أو بآخر،
معبرا عن مواقفه بجرأة ووضوح، ربما بالشعر أو بالفن أو الكتابة أو البحث أو النشاط.
في حين أن الأكاديمي هو فرد مرتبط بشهادته، واختصاصه العلمي، ويقتصر
همه على شؤونه الخاصة، مع تثبيت حقيقة أن الأكاديمي قد يكون من النخبة المثقفة
بالمعنى المذكور.
لم تكن النخب المثقفة في سورية في حالة جيدة!. فقد فرض عليها مناخ
الاستبداد حالة من الخوف والهلع، تحولت إلى نفاق مواقفي لدى الكثيرين، ولقد تعايشت
النخب مع الحالة الديكتاتورية المعمِّرة فاكتسبت منها طبائع الاستبداد، من تهميش
وإقصاء وحب للهيمنة، وامتازت النخب بمحدودية الرؤية والأهداف والميل إلى المدرسة
الإصلاحية في أحسن أحوالها.
لقد حمى النظام عرشه بالنخب من شعراء وفنانين ومفكرين وعلماء دين، حيث
انحازوا له انحيازا كبيرا في بداية الثورة السورية، وراحوا يصفون الحدث الثوري
بالفتنة والمؤامرة، وتأخرت النخب في الالتحاق بالثورة، لكن المشكلة ليست في تأخرهم
وإنما في حرصهم على تصدر المشهد السياسي وكأنهم هم قادة الثورة وصناع قرارها.
وعملوا على اختطاف مكتسبات الشباب الثائر، وفي حملهم لمورثات النظام الفكرية
المعطوبة أصلا، فهم معارضة بنكهة بعثية مستبدة، وكما تخلفوا عن الحراك الثوري فقد
تخلفوا أيضا عن الوعي الثوري، حين فشلوا في تقديم قراءة صحيحة عن مجريات الأحداث
وتقديم تصور عن صيرورة الأشياء، ومكمن المصالح.
لم تتمكن النخب من التخلي ولو مؤقتا عن ثقافة أحزابهم الضيقة وأهدافهم
المحدودة، حين دخلوا ساحة النضال الثوري مؤطرين بأحزابهم المتهالكة، فكان جل
اهتمامهم هو جني الأرباح وتحقيق المكتسبات لأحزابهم التي مثلوها، واللافت في كثير
من النخب هو تهاونهم في قضية سقوط الأسد وقبولهم بالحلول المنتقصة والتسويات المقضومة،
ومن يقبل منهم بمبدأ سقوط الأسد فهو يشترط ضمنا أن يكون هو وحزبه أول الرابحين
وبأقل الأثمان.
يتلعثم كثير من النخب في تعبيرهم عن الأحداث لأنهم يقرؤون الواقع من
منظار كتب وصحف عكفوا عليها دهرا طويلا وتعايشوا معها عمرا مديدا، وكوَّنوا
خلاصاتهم الفكرية منها، فرأوا المشهد مقلوبا، واختنقوا من شدة الحراجة السياسية.
وفي حالة من اليأس والتراجع في الأداء الثوري رأينا بعض النخب تسارع
في مغازلة القاتل، بانتقاد الثورة أو بتمجيد القائد أو بالتهجم على أصدقاء سورية
أو بالحديث المفرط عن الحلول السياسية، بل وصل الحد ببعضهم إلى الارتماء بأحضانه
وتلاوة طقوس التوبة والندم على اتخاذهم خيار المعارضة، وهؤلاء (هم آخر المنشقين
وأول الأوابين)، (يحضرون عند المغنم ويغيبون عند المغرم).
ولم تقتصر أزمة النخبة على شكل أدائها بل تعداه إلى طبيعة التوجهات
الفكرية والمناحي السياسية للنخب، حيث تنحصر توجهات النخب بأربعة اتجاهات: الاتجاه
الأول هو الاتجاه اليساري المنحاز إلى روسيا حتى ولو كانت روسيا شريكا أساسيا في
قتل الشعب السوري، وهذا الاتجاه يحمل ثقافة «حق القوة» الذي يؤمن به الروس بدلا من
ثقافة «قوة الحق» ولديهم حنين إلى عهد القيصيرية البائد.
والاتجاه الثاني هو اتجاه (الإسلام السياسي) المتساير تقليديا مع
العدو الإيراني الضالع المباشر بالجريمة الأسدية، وهؤلاء يتبنون ثقافة «صدام
الحضارات» بدلا من فكرة «حوار الحضارات»،
والاتجاه الثالث هو (الاتجاه القومي) الذي لا يرى أكبر حجما من «القضية الفلسطينية»
ويقرأ الواقع السوري من خلال أدبيات تلك القضية التي نؤمن بعدالتها، إلى درجة أنه
لا يستطيع أن يتخيل حجم الجريمة التي يقترفها «محمور المقاومة والممانعة»، أما
الاتجاه الرابع فهو اتجاه (المدرسة القاعدية) وأخواتها، الذي يريد أن يقاتل العالم
كله على الأرض السورية، ويصفي حساباته الأفغانية والعراقية على حساب الثورة
السورية متبنيا ثقافة «ملة الكفر واحدة».
إن ما تقدم من حديث عن النخب يتعلق بعموم الحالة النخبوية، ويمكن
القول: إن ورقة النخب المثقفة كانت خاسرة في الثورة السورية إلى حد دعا الكثيرين
للقول: ليت الثورة بقيت بلا نخب، لأنها كانت عبئاً على الثورة ولم تكن داعمة لها.
هذا الوصف ينطبق على معظم النخب التي لا تمارس دورها المنوط بها لحظة
بلحظة وساعة بساعة، وربما لا تتابع أخبار البلد والأهل الكرام، وكأن الذي يجري في
سوريا لا يعنيهم بحال!.. لكن (شهادة لله) عندما تبدو الأمور ميَّالة إلى الثورة
السورية والنظام القاتل منحصراً في الزوايا تظهر أصوات هؤلاء عالية صدَّاحة على كل
منبر، لأن الثورة- بالنسبة لهم- رداء يلبسونه متى شاءوا.
هذا النوع من النخب اكتفى بأنه سجَّل حضوره (أول الدوام) ثم غاب في
غمرة المصلحة الأنانية ينتظر نصراّ لهذه الجهة أو تلك، فإن انتصرت الثورة فسوف
يبرز وثيقة التسجيل الأولى، وإن انتصر النظام وحلفاؤه- وليسوا بمنتصرين بإذن الله-
فإن مسافة الرجوع ليست شاسعة لأنه لم يسجل حضوراً ثورياً معارضاً لافتاً.. من هنا
كان لا بد من إطلاق فكرة (تثوير المثقف).
إن ابتعاد النخبة المثقفة عن الساحة السورية
واعتكافها عن العمل الوطني ترك الشباب الثائرين يتابعون ثورتهم وغضبهم دون موجِّهات
فكرية، ولا محددات سياسية، ترسم لهم معالم الدرب الذي بذلوا فيه الغالي والنفيس،
وقدموا التضحيات المهولة.
فقد احتاج شباب سوريا الثوار إلى مادة فكرية
وبرامج سياسية تؤَطِّر لهم عملهم، وكان المعوَّل على المثقفين السوريين أن يقوموا
بهذه الوظيفة قبل أن تتدخل الرايات السوداء، والأفكار الشاحبة، فتغزو الساحات
والعقول، وتدور الثورة ألف دورة، يضيع فيها الصديق من العدو، وتفقد قضية الشعب
السوري المراكز المهمة من المفاهيم، وتضيع البوصلة في زحمة الأحداث، وصار البيت
الثوري يتقبل الفكرة ونقيضها، ويتبنى ما هو مصلحة وما هو مضرة، فتاه المركب عن
أهدافه، مع أن الثورة لا زالت مستمرة، لكنها تستمد عوامل بقائها من صمود الشعب
السوري، وصبره العريض، ومن هنا كان مهماً إطلاق مبدأ (تثقيف الثائر).
غير أن لهذه الحالة استثناء، فهناك قلة من النخب كانت جديرة باحترام
الشعب السوري، ونيل ثقته، لكن هذه النخبة متباعدة مشتتة، والمطلوب منها اليوم
الاقتراب أكثر فأكثر من الساحة الثائرة، والتواصل مع الحراك الثوري، وتقديم صياغة
رصينة للفكر الثوري، وزيادة الاهتمام بفئة الشباب.
خلاصة القول: إذا أردنا حل جدلية (المثقف والثائر) والوصول إلى الحالة
المثالية في الثورة السورية، لا بد من تفعيل ثنائية الحل، القائمة على مبدأ «تثقيف
الثائر وتثوير المثقف».
الكاتب والباحث السياسي : عبد الناصر ابو المجد. 22 – 11 – 2013


ليست هناك تعليقات