الاستثمار السياسي في الملف الحقوقي
في الوقت الذي
تمكن فيه نظام الأسد مع شركائه الروس والإيرانيين من استثمار كل الأوراق العالمية والإقليمية , الداخلية والخارجية
, السياسية والعسكرية والفكرية والإديلوجية والتاريخية والإعلامية . لم تتمكن المعارضة
السورية من استثمار أية ورقة ، في فترة قيادتها للعمل السياسي في الثورة , مع أن الأوراق كثيرة وكبيرة , أهمها :
1) جسامة التضحيات التي قدمها الشعب السوري والتي تتيح للمعارضة
فرصة سانحة لتسويق حقوق الشعب السوري ومظلوميته في المحافل الدولية والهيئات الراعية
لحقوق الإنسان . فلقد دفع الشعب السوري
من التضحيات ما يفوق الوصف ويتجاوز الخيال ، وقدم من الدماء ما هو كفيل بإسقاط عروش
كثيرة قائمة على البطش والجبروت ، وأظهر من البطولات ما تعجز كل الأدبيات عن وصفه ،
لكنه بالمقابل لم يجد من النخب المعارضة من يحسن ترجمة مقدمات النصر إلى نصر وتحرير
.
2) عظم الجريمة التي يرتكبها النظام في حق شعب
أعزل يطالب بحقوقه ، مما يتيح للمعارضة فرصة تسويق الأعداء كإرهابيين يشكلون خطرا بارزا
على الإنسانية جمعاء , وفضح مؤامرتهم التي حاكوها تحت غطاء الممانعة والمقاومة .
3) الإجماع الدولي المبكر الداعم لتطلعات الشعب
السوري في المحافل الدولية ، كالذي حصل في عمومية الأمم المتحدة ، فكان بالإمكان التواصل
مع هذه الدول لتعزيز مواقفها وتطويرها .
صدر تقرير للأمم
المتحدة ، نهاية آب / أغسطس من العام الجاري ، يتهم نظام الأسد باستخدام « غاز الكلور
» ضد السوريين في إدلب مرّتين : الأولى في « تل منس » ، في 21 نيسان / أبريل 2014 ،
والثانية في « سرمين » 16 آذار / مارس 2015 ، وذلك بالاعتماد على أدلة ووثائق استغرق
جمعها وتحليلها أكثر من عام .
وجاء اتّهامٌ صادر
عن القضاء اللبناني ، يؤكد ضلوع نظام الأسد في تفجيرات مسجدي « السلام والتقوى » ،
في مدينة « طرابلس » يوم 21 آب / أغسطس عام 2013 ، والتي أودت بحياة 51 شخصًا ، وإصابة
أكثر من 500 آخرين بجروح مختلفة .
وما بين التقرير
الأممي ونتائج التحقيقات اللبنانية ، نشرت صحيفة « الغارديان » البريطانية تحقيقًا
يُظهر ضلوع بعثة المساعدات في الأمم المتحدة بإبرام صفقات بملايين الدولارات مع مقربين
من نظام الأسد . وجاء في التقرير أن الأمم المتحدة منحت صفقات قيمتها عشرات الملايين
من الدولارات لمقربين من بشار الأسد ، في إطار برنامج مساعدات إنسانية ، مضيفًا أن
الذي استفاد من هذه الصفقات شركات تخضع لعقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة ،
ووزارات ومنظمات خيرية ، ومنظمة أنشأتها « أسماء الأسد » ، وأخرى أنشأها ابن خاله «
رامي مخلوف » .
وعلى الرغم من
الجلبة الإعلامية والتصريحات التي دارت حول الأحداث الثلاثة المتتالية إلا أن السؤال
الأبرز الذي يقف في مواجهة السوريين هو : أين المعارضة السورية من استثمار كل هذه
الفضائح المخزية ؟ . ولماذا لا تهتم
المعارضة بتفعيل الملفات القانونية ؟ وما
أكثرها ! . فالنظام الأسدي ارتكب من جرائم الحرم ما لا سابقة له في التاريخ
المعاصر ، وربما في التاريخ القديم .
ويتصدر هذه
الجرائم : جريمة استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية في 21 آب 2013 .
وجريمة تعذيب وإعدام « 11 ألفاً » من معتقلي الحراك الثوري ، فيما يعرف بملف « قيصر
» . وجرائم أخرى موثقة بدقة تتعلق بالقتل والاغتصاب والتعذيب والتدمير والسرقة
والتهجير والحصار والتجويع والإهانة والتطهير العرقي والطائفي ، والتغيير
الديمغرافي .
إن غياب الحديث
من جهة المعارضة عن ضرورة محاكمة النظام ورموز حكمه الإرهابين أتاح للمتحاورين
الدوليين هوامش عن إمكانية بقاء الأسد لمرحلة انتقالية ، والحديث عن إمكانية خوضه
لانتخابات رئاسية قادمة . وللأسف أن تنجر المعارضة إلى هذا الفخ الذي لا يقبل به
الشعب السوري . الشعب الذي لا يرضى بأقل من محاكمة المجرم على جرائمه ، وخاصة أن
هناك سوابق في محاكمات لزعماء لم يفعلوا أكثر مما فعله « بشار الأسد » .
تُعدّ الأزمة السورية
من أغرب الأزمات في العصر الحديث على الأقل ، ولا سيما أن الجَاني الأكبر يرتكب ما
طاب له من جرائم ، وعلى مرأى من العالم أجمع ، في حين تقف على الضفة الأخرى أمم متحدة
بصمت مريب ، ودول توحي للجَاني بأن « افعل ما شئت فأنت آمن من العقاب » وقاعات الحساب
مُغلقة .
إن محكمة الجنايات
الدولية لا يمكن أن تنظر في الموضوع الحقوقي السوري ، بذريعة أن سورية ليست موقعة على
« اتفاقية روما » ، وبالتالي فنحن بحاجة إلى قرار من مجلس الأمن من أجل إحالة الملف
إلى محكمة الجنايات الدولية ، وهذا القرار يتوجب عدم وجود فيتو أمامه . ولعل من الطبيعي
أن تقف روسيا في وجه إحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية ؛ لأنها - هي الأخرى -
مولغة في الدم السوري ، وتقدم الدعم العسكري للنظام وكل الميليشيات التي تقاتل معه
، كما أنها تدخلت مباشرة لقتل المدنيين السوريين ، منذ أيلول / سبتمبر العام الماضي
.
ومن هنا يمكن النظر
إلى دور المعارضة الهش في هذا الجانب ، للدفع نحو تفعيل ملف العدالة ، واختيار
أفضل القنوات القانونية في هذا الاتجاه ، في ظل التشابك الدولي والإقليمي ؛ حتى الأمم
المتحدة نفسها أظهرت - في أحد جوانبها - فسادًا يصبّ في مصلحة النظام السوري ، لا في
مصلحة سورية وشعبها .
أثار تحقيق صحيفة
« الغارديان » البريطانية الذي أظهر تورط الأمم المتحدة في التعاقد مع نظام الأسد
بعقد صفقات معه ، تدعمه بملايين الدولارات ، أثار سخط الشارع السوري الذي لطالما عدّ
الأمم المتحدة الجهة الأكثر فعالية في دعمه ؛ لمواجهة الظلم والقتل اللذين تجذّرا في
بلاده خلال عقود .
ونقلت الصحيفة
عن خبير في الدراسات الحربية قوله : إن الأمم المتحدة مطالبة بإعادة النظر في استراتيجيتها
؛ لأنها أضحت قريبة - بشكل مفضوح - من النظام . في حين رأى مراقبون أن الأمم المتحدة
تخاطر بفقدان فاعليتها ، وتعمل فعليًّا على تقوية نظام الأسد الذي قتل مئات الآلاف
من السوريين ، وشرد الملايين منهم .
هذا التقرير يشكل
فرصة أمام المعارضة السورية ومنظمات الإغاثة السورية من أجل إيقاف هذا الدعم للنظام
، وقد رأينا كيف أن العشرات من المنظمات الإغاثية علقت نشاطها مع الأمم المتحدة في
سورية ، ومن المؤكد أن نتيجة ذلك ستوجب - على الأقل - إصلاح طريقة عمل المنظمة الدولية
.
أما عن الهدن
التي يطالعنا بها المجتمع الدولي بين الفينة والأخرى فتنطوي على مغالطة قانونية
وأخلاقية صارخة . فقد صار مفهوم الهدنة يعني : وقف الأعمال العدائية من كافة
الأطراف المتحاربة وكأن الشعب جزء منها ، وهذا يعني أن انقضاء الهدنة يعني
بالضرورة استئناف النظام وحلفائه قتل المدنيين الذين لا ينبغي أن يكونوا طرفاً
حربياً حتى ولو كانوا معارضين لحكم بشار الأسد . ولا يجوز – وفقاً للشرعة الدولية –
أن يكونوا ضحايا للحروب والنزاعات ، في حين نشهد أن المدنيين هم الهدف الأول
للنظام ولروسيا وإيران وحزب الله .
استهداف
المدنيين واستخدام السلاح المحرم دولياً هي أمور خارج نظاق الهدن أصلاً ، لكن
المعارضة – للأسف – تقع في أفخاخ السياسة كل مرة وتستجر إلى دومات سياسية يمارسها
الكبار .
يجب تحريك
الملفات الحقوقية ، كملف المعتقلين والمهجّرين قصراً وضحايا التعذيب والانتهاكات
الجسدية والنفسية ، واستخدام السلاح المحرم دولياً وغيرها من الملفات ، واختيار
الآليات القانونية الأكثر نجاعة ، وحين تغلق كافة القنوات – وهذا مستبعد – يجب رفع
الصوت إعلامياً وعلى أوسع نطاق بفكرة « محاكمة النظام » .
الكاتب
والباحث السياسي : عبد الناصر محمد .


ليست هناك تعليقات